السيد محمد تقي المدرسي
17
من هدى القرآن
إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً قَالَ : « هُمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله مَشْهُورِينَ بِالزِّنَا فَنَهَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالنَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ مَنْ شَهَرَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ أَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَلَا تُزَوِّجُوهُ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ » « 1 » . ولعل معنى كلامه عليه السلام والناس اليوم على تلك المنزلة ، أن سيرة الرسول تجري على الناس اليوم أيضاً . القذف بين الحد والتوبة [ 4 ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ هنا يفرض الله عقوبة شديدة على من يرمي المحصنات ، بتهمة الزنا دون أن يأتي بأربعة شهداء عدول على ذلك ، ممن شهدوا الحادثة بأم أعينهم . ولا يكتفي بذكر هذه العقوبة الشرعية ، بل يذكر عقوبة قضائية رديفة لها ، إذ يجب نبذ مثل هذا الإنسان بعد إجراء حد القذف عليه ، بإسقاط اعتباره في المجتمع ، لأنه بعمله هذا يكون قد فقد عدالته ، فلا شهادة له بعد ذلك ، ليس فقط في قضية الزنا ، بل وأيضاً في سائر القضايا الاجتماعية ، كالعقود المالية ، وإثبات الهلال ، وسائر الموضوعات . وفي ذلك تأديب معنوي له ، بالإضافة إلى التأديب البدني بالجلد . ولا نجد كالقذف ، عقوبة صارمة على اللسان في التشريعات الإسلامية ، فلو قال شخص : إن فلانة زنت . عليه أن يحضر العدد الشرعي من الشهود العدول ، ولو شهد اثنان بالزنا ثم قالا إن هناك شخصين آخرين رأيا ما رأيناه ، وهما في الطريق لا يمهلان ، إنما يجلد كل منهما ثمانين جلدة على الفور ، إذ لا تثبت شهادتهما إلا إذا دخل أربعتهم دفعة واحدة ، ليشهدوا لدى الحاكم على عملية الزنا . والإسلام الذي فرض عقوبة الجلد أو الرجم على مرتكب الزنا ، هو الذي منع قبول الشهادة لأقل من أربعة ، وهل تقع عملية الزنا علانية حتى يتمكن هذا العدد من الشهادة عليها ؟ . إن الجرائم الأخرى كالقتل والسطو يمكن أن تحدث أمام الناس ، أما الزنا فإن الحياء البشري الذي أودعه الله في فطرة كل إنسان يمنع وقوع هذه العملية جهارا أمام الآخرين ، فكيف يرى هذه العملية أربعة وبكل وضوح ؟ إنه لا يقع إلا في حالات نادرة جدا مما يدل
--> ( 1 ) الكافي : ج 5 ، ص 355 .